للتاريخ وجوه عدّة، يُكتب بطرق مختلفة، ويُقرأ من زوايا متباينة، وعلى الرغم من تنوّع مصادره، إلا أن مبادرة “سيرة القاهرة”، التي تُعنى بتوثيق تراث المدينة العريقة، اختارت أن تحكي جانباً من هذه السيرة الطويلة، اعتماداً على الطوابع البريدية.
تأتي هذه المبادرة ضمن فعاليات معرض “PioPEx 25” الأول، الذي ينظّمه نادي الروّاد المصري لهواة جمع الطوابع، ويستضيفه مركز الهناجر في دار الأوبرا المصرية.
الجولة التاريخية خلال المعرض، حملت اسم “القاهرة على طابع بوستة”؛ إذ تمّ اختيار مسار تاريخي محدّد على خرائط جوجل، من قلب القاهرة الإسلامية، يتوقف في محطات رئيسة، ارتبطت بأهم الأماكن التي تمّ إصدار طوابع بريدية عنها.
مآذن الأزهر
تبدأ الرحلة التاريخية من الجامع الأزهر، مع مجموعة الطوابع التي حملت اسم “منارات الأزهر”، وتستعرض أربع مآذن شهيرة تغطّي أطراف الجامع الأزهر (هناك مئذنة خامسة لم تظهر في المجموعة)، وتعبّر كل منها عن عصر وتصميم مختلف.
فمئذنة الأقبغاوية- أقدم المآذن- أنشأها الأمير المملوكي أقبغا عبد الواحد عام 1339 ميلادية، وهناك مئذنة السلطان المملوكي أبو النصر قايتباي، التي أنشأها عام 1461 ميلادية، ومئذنة الأمير العثماني عبد الرحمن كتخدا الأحدث، بُنيت عام 1753، وكل منها تحمل سمات معمارية مميّزة.
ولكن أشهر مآذن الجامع الأزهر “مئذنة الغوري”، التي أنشأها السلطان المملوكي الشهير قنصوة الغوري عام 1510، وهي أصبحت رمزاً للأزهر الشريف، نظراً لفرادتها المعمارية، لجهة التصميم الهندسي، فهي تضمّ درجين بدلاً من واحد نراه عادةً في المآذن، وتنفرد برأسين، لتدل على ثنائية الأشياء.
وأشار عبد العزيز فهمي مؤسس مبادرة “سيرة القاهرة”، إلى أن المجموعة البريدية “لم تلتزم بترتيب زمني لهذه المآذن، كما لم تظهر بها المئذنة الخامسة، وربما يعود ذلك لأنها تطابق مئذنة كتخدا، التي تمّ بناؤها في الوقت نفسه”.
خان الخليلي
المحطة الثانية توقّفت عند خان الخليلي، أشهر الأسواق الموجودة في القاهرة الإسلامية، وأحد أشهر نقاط الجذب السياحية في العاصمة المصرية، يوثّقها طابع البريد الصادر عام 2003، احتفالاً بيوم السياحة العالمي، وهو في تصميمه يركز على أبرز ما في الخان من حِرف يدوية دقيقة تتناقلها الأجيال، إذ وصفها الأديب العالمي نجيب محفوظ في روايته “خان الخليلي”.
ويأخذنا تصميم الطابع، إلى بوابة الخان الذي أنشأه الأمير جاهركس الخليلي، وأصبح من أقدم الأسواق في الشرق الأوسط، وعندما تولى السلطان قانصوه الغوري الحكم، أمر بإزالة الخان الأصلي، وأقام مكانه وكالات ودكاكين للتجّار، بقيت آثارها حتى اليوم، كما بقي أيضاً حجر الأساس المكتوب عليه: “أمر بإنشاء هذا الحصن المبارك السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري”.
مؤرّخ القاهرة
وفي مسار الرحلة في قلب القاهرة الإسلامية، ظهر طابع بريد مخصّص للمقريزي، الذي يعتبر من أهم المؤرّخين في النصف الأوّل من القرن التاسع الهجري (1364- 1442 ميلادية)، وأهم مؤرّخ كتب عن القاهرة في تلك الفترة.
عاش المقريزي في حارة برجوان، بجوار باب الفتوح في قلب المسار الرئيس للقاهرة الإسلامية، ويرصد عبد العزيز فهمي بعض عناوين الكتب التي حملها الطابع، وتعود للكتب التي ألّفها المقريزي، لكن الطابع تجاهل الحارة التي عاش فيها حياته، وهي ما تزال موجودة رغم التحوّل الذي طرأ عليها.
مذبحة المماليك
اختتمت “سيرة القاهرة” الجولة التاريخية، بعرض طابعَين صادرين عام 1972، يحمل الأوّل صورة باب الفتوح- أحد البوابات الأربع التاريخية لمدينة القاهرة- وهي ما تزال موجودة حتى اليوم.
يعود الباب إلى الفترة الفاطمية، حيث كان أحد عناصر الدفاع العسكري عن المدينة، وكانت تقع أمامه “حوش الصوفية”، المقبرة الكبيرة التي كانت تضم رفات المقريزي، مؤرّخ القاهرة الشهير، مع عشرات المشاهير، من بينهم ابن خلدون وقاضي القضاة إبراهيم بن محمد الغازي وغيرهم، وتمّت إزالتها عام 1999 في إطار خطط التطوير.
أما الطابع الثاني، فصدر عام 1984، وهو يعرض في الخلفية، صورة قلعة صلاح الدين الشهيرة، وتتصدّره صورة ميدان الرميلة وباب العزب، وهو الميدان الواسع أمام القلعة الذي كانت تجري المعارك- وأحياناً الاحتفالات- أمامه.
يقول فهمي عن تلك البوابات “إنها بُنيت في العصر العثماني كأحد مداخل القلعة للدفاع عنها، وحملت اسم “العزبانية”، نسبة إلى الفرقة العسكرية المسؤولة عنها، وجاء الاسم من كون هؤلاء العسكريين، كانوا من غير المتزوّجين، الذين نذروا حياتهم للعسكرية، وهي البوابة التي ارتبطت بالمذبحة التي ارتكبها محمد علي ضد المماليك داخل القلعة، حيث تمّ إغلاق تلك البوابة وحصار المماليك في الممرّ الضيّق المؤدي إلى القلعة والقضاء عليهم.