بعد قرابة نصف قرن قضى منها 20 عاماً زعيماً لحزب العمال الكردستاني، وأكثر من 25 عاماً سجيناً في إحدى الجزر التركية، اتخذ عبد الله أوجلان “خطوة تاريخية”، بدعوة الحزب إلى حل نفسه ونزع السلاح، ليضع بذلك نهاية لصراع طويل.
ويُعتبر أوجلان البالغ من 75 عاماً أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الشرق الأوسط، إذ يُعرف كزعيم ومؤسس لحزب العمال الكردستاني PKK، الذي بدأ كحركة ماركسية لينينية تطالب بحقوق الأكراد في تركيا، وتحول لاحقاً إلى صراع مسلح طويل الأمد ضد الدولة التركية.
وعلى الرغم من الاتهامات التي تطاله بـ”الإرهاب” والتسبب في دفع الأكراد إلى خيارات باهظة الثمن، إلا أن مسيرته تُلخص تحولات سياسية وفكرية وتأثير بارز على القضية الكردية.
وُلد عبد الله أوجلان في 4 أبريل 1949 في قرية أومرلي بمحافظة أورفة جنوب شرقي تركيا، ونشأ في عائلة كردية فقيرة تعمل في الزراعة، وعانى التمييز القومي والاقتصادي الذي عانته الأقلية الكردية في تركيا لعقود، وخلال دراسته العلوم السياسية في أنقرة، تأثر بالأفكار الماركسية والحركات الثورية العالمية، ما دفعه لتأسيس حزب العمال الكردستاني PKK في عام 1978 مع مجموعة من الشباب الأكراد اليساريين، بهدف إقامة دولة كردية مستقلة عبر الصراع المسلح.
وكانت تركيا في تلك الفترة تعيش اضطرابات سياسية، وأدى إنكار الهوية الكردية وحظر اللغة الكردية في الحياة العامة إلى ازدياد التأييد لحزب العمال الكردستاني والثورة المسلحة.
حرب عصابات طويلة
في عام 1984، شنَّ حزب العمال الكردستاني أولى هجماته المسلحة ضد الجيش التركي، معلناً بدء مرحلة “الكفاح المسلح” التي استمرت لعقود.
واستخدم الحزب تكتيكات حرب العصابات والهجمات الانتحارية، وأصبح قوة فاعلة ليس فقط في تركيا، بل أيضاً في مناطق كردية أخرى في سوريا والعراق.
واتسمت فترة الصراع بتنفيذ عمليات عسكرية مكثفة من الجانبين، وأودت بحياة عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف من المدنيين الأكراد.
وصنفت تركيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، الحزب “منظمة إرهابية”، بينما رأى فيه جزء من الأكراد رمزاً للمقاومة ضد القمع.
بعد مطاردة دولية استمرت سنوات، ألقي القبض على أوجلان في 15 فبراير 1999 في العاصمة الكينية نيروبي، في عملية استخباراتية دولية معقدة، بعد خروجه من سوريا تحت ضغط تركي، وتنقله بين روسيا وإيطاليا وكينيا، سعياً للحصول على حق اللجوء، لكن في نهاية المطاف ألقي القبض عليه ونُقل جواً إلى أنقرة تحت حراسة قوات تركية خاصة.
وفي تركيا، خضع أوجلان لمحاكمة سريعة حُكم عليه فيها بالإعدام بتهمة “الخيانة العظمى والإرهاب”، لكن في عام 2002 جرى تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد، كجزء من إصلاحات أجرتها تركيا بهدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ومن زنزانته في جزيرة إمرالي حيث عاش في عزلة شبه تامة، بدأ أوجلان مراجعة أيديولوجية، متأثراً بأفكار الاشتراكية الديمقراطية، وطرح مفهوم “الكونفدرالية الديمقراطية” كبديل لدولة قومية كردية، داعياً إلى حكم ذاتي لا مركزي للأكراد ضمن دولهم، مع تعايش سلمي بين الأعراق.
كما دعا إلى وقف إطلاق النار أكثر من مرة، وشارك في مفاوضات سلام مع الحكومة التركية، لكنها انتهت بالفشل عام 2015.
إرث فكري وسياسي معقد
أصبحت كتابات أوجلان من السجن، مرجعية لحركات كردية، خاصة في سوريا، إذ تبنت وحدات حماية الشعب YPG، أفكاره في بناء إدارة ذاتية شمال سوريا “روجافا”، مع تركيز على المساواة الجندرية والاقتصاد التشاركي، لكن التجربة تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب ارتباطها بالحزب، وطالت الوحدات الكردية اتهامات بالتطهير العرقي في بعض المناطق.
داخل تركيا، لا يزال أوجلان شخصية مُحورية تتمتع بنفوذ قوي داخل حزب العمال الكردستاني، فبينما كانت تعتبره الحكومة التركية العدو الأول، يراه جزء كبير من الأكراد رمزاً للنضال من أجل استعادة الحقوق للهوية المهمشة، كما أن لكتاباته تأثير كبير في الفكر السياسي الكردي، خاصة في ما يتعلق بالحكم الذاتي والديمقراطية المباشرة.
والخميس، أصدر أوجلان بياناً وُصف بأنه تاريخي، دعا فيه إلى حل حزب العمال الكردستاني، وإلقاء السلاح، مؤكداً أنه يتحمل المسؤولية التاريخية عن الدعوة.
وأثارت التصريحات ردود فعل متباينة، فبينما رأى البعض فيها تحولاً جذرياً نحو إنهاء الصراع المسلح، اعتبرها آخرون مجرد خطوة تكتيكية أو نتيجة لضغوط تركية.
لكن من غير الواضح مدى النفوذ الذي يتمتع به الآن على حزب العمال الكردستاني الذي يتمركز مقاتلوه أساساً في منطقة جبلية بشمال العراق.