أثار توقيع “ميثاق نيروبي” بين قوات الدعم السريع والمكونات المتحالفة معها، قلق الأمم المتحدة والولايات المتحدة التي اعتبرته “تصعيداً جديداً”، و”خطوة لن تساعد في جلب السلام والأمن إلى السودان”، كما أثيرت حول هذا الميثاق الموقع في العاصمة الكينية خلافات داخلية سودانية بشأن قضايا جوهرية في الدستور.
ويرى مراقبون تحدثوا لـ”الشرق”، أن الخلافات تتركز أساساً على طبيعة تشكيل حكومة في مناطق سيطرة الدعم السريع، وكذا النقطة المتعلقة بـ” إقرار مبدئي بعلمانية الدولة وحق تقرير المصير”.
وفي أول ردّ فعل لها على ميثاق وقعت عليه قوى سياسية ومسلحة سودانية في نيروبي، تمهيدا لتشكيل حكومة، قال متحدث باسم الخارجية الأميركية لـ”الشرق”، إن محاولات الدعم السريع وحلفائها تشكيل حكومة في مناطق سيطرتها لن تساعد في جلب السلام والأمن في السودان.
وأضافت الخارجية الأميركية، أن خطوة تشكيل حكومة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع “قد تؤدي إلى خطر تقسيم السودان يقوم على الأمر الواقع”، مشددة على أن السبيل الوحيد لسلام واستقرار السودان، “هو وقف فوري ودائم للأعمال العدائية، وإفساح المجال أمام مسارات تشكيل حكومة مدنية وإعادة بناء البلاد”.
إلغاء مؤتمر التوقيع على الدستور
وكشف مصدر في “تحالف تأسيس” لـ”الشرق”، عن إلغاء مؤتمر، كانت قوى تحالفه تنوي عقده، الاثنين، لتوقيع الدستور، بسبب خلافات بشأن “تفسير” بعض نقاط الدستور. وقال المصدر إن الخلافات نشأت بشأن ترسيم حدود الولايات السودانية وقضايا أخرى، نافياً أن تكون “خلافات جوهرية”، حسبما أشارت مصادر صحافية كينية.
وكتب الصحفي الكيني، موانجي ماينا، على منصة “إكس”، إن مؤتمراً صحفياً لتحالف تأسيس تم إلغاؤه بسبب “توترات” و”خلافات” في اللحظة الأخيرة بشأن قضايا جوهرية في الدستور. وقال مصدر في التحالف لـ”الشرق”، إن الخلافات تركزت على نقاط إجرائية لا جوهرية.
ووقع 24 كياناً وحزباً سياسياً، وحركة مسلحة، وتحالفاً، وشخصيات مستقلة، على وثيقة أطلق عليها اسم “الميثاق السياسي”، السبت الماضي، في العاصمة الكينية نيروبي.
ونص هذا الميثاق على حظر تأسيس أي حزب أو تنظيم سياسي على أساس ديني أو تنظيم دعاية سياسية على أساس ديني أو عنصري. وأشار إلى “هوية سودانوية” ترتكز على حقائق التنوع التاريخي والمعاصر ودولة قائمة على الحرية والعدل والمساواة.
كما نص على خضوع الجيش الجديد منذ تأسيسه للرقابة والسيطرة المدنيتين، ويعكس تنوع أقاليم السودان، مؤكداً على تأسيس جهاز أمن مخابرات مهني ومستقل غير خاضع لأي ولاء إيدلوجي أو سياسي أو حزبي.
وورد في الميثاق، الالتزام بالعدالة والمحاسبة التاريخية وإنهاء الإفلات من العقاب وتجريم كافة أشكال التطرف والانقلابات العسكرية واستغلال الدين لأغراض سياسية. وأوضح أن دواعي تشكيل “حكومة سلام انتقالية” تتمثل في إنهاء الحرب، وتحقيق سلام شامل ودائم وحماية المدنيين والمساعدات الإنسانية واسترداد المسار الديمقراطي.
مسودة الدستور
واطلعت “الشرق” على نسخة أولية من الدستور الذي فجر الخلاف داخل “تحالف تأسيس”، وأدّى إلى تأجيل مؤتمر التوقيع.
ويتألف الدستور من 12 باباً، تشمل الدولة والدستور و”المبادئ فوق الدستورية”، الفترة الانتقالية، النظام “اللا مركزي”، هياكل السلطة، وقضايا أخرى.
بيد أن الدستور مثار الجدل، يشير في بابه الأول، فيما يتعلق بطبيعة الدولة، إلى أن السودان دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية ذات هوية سودانوية تقوم على فصل الدين عن الدولة والمواطنة المتساوية كأساس للحقوق والواجبات وفصل الهويات الثقافية والجهوية والعرقية عن الدولة.
كما يؤكد على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، و”ألا يعتد بالحصانة فيما يتعلق بالانتهاكات والجرائم التي ارتكبت منذ خروج المستعمر”.
ويشير إلى تقسيم إداري جديد للسودان قائم على 8 أقاليم، هي الشمالية، الخرطوم، الشرق، دارفور، الأوسط، كردفان، جبال النوبة وجنوب كردفان، الفونج الجديد، كما ينص على عاصمة اتحادية يحددها القانون.
ويحدد القانون أيضاً حدود وعواصم الأقاليم. ويكون لكل إقليم وولاية دستور يراعي خصوصيتهما دون المساس بطبيعة الدولة المنصوص عليها في الدستور.
وتتألف السلطة التشريعية من مجلسي النواب والأقاليم بـ 24 عضواً لمجلس الأقاليم و177 للنواب. ويذهب الدستور لتشكيل مجلس رئاسي مؤلف من 15 عضوا، بينهم حكام الأقاليم الـ 8. كما ينص على حق المجلس الرئاسي في تعيين رئيس وزراء، وألا يتجاوز عدد الوزراء 16.
“علمانية الدولة”
واعتبر عضو مجلس السيادة السابق، الطاهر حجر، وهو أحد الموقعين على الميثاق السياسي، أن الأمر يمثل خطوة جادة نحو الفعل الجماعي “حيث توحد الجميع حول قضايا الوطن الكبرى”. ودعا ما سمّاها القوى السياسية والاجتماعية التي لم تشارك بعد، إلى الانضمام إلى “هذا العمل العظيم وإطلاق سراح الشعب السوداني من زنازين المؤتمر الوطني، والوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ”.
وترفض قوى سياسية عدة، إقرار علمانية الدولة، معتبرة أن القضايا الدستورية كلها، بما في ذلك العلمانية وتقرير المصير والفيدرالية، يجب أن تبحث في مؤتمر دستوري.
وقال حزب الأمة القومي، في بيان، إن الميثاق الموقع في نيروبي وردت فيه قضايا مصيرية “تتعارض مع توجهات الحزب مثل العلمانية وتقرير المصير” وهي قضايا تتطلب نقاشاً واسعاً وإجماعاً وطنياً وتفويضاً شعبياً يعبر عن إرادة السودانيين، وفق الحزب.
فيما شدد حزب المؤتمر الشعبي على ترك ما وصفها بالقضايا الخلافية المتعلقة بأمر الحكم، لاستفتاء شعبي “لا أن تفرض بإرادة تفاوض”.
وأضاف الحزب أن وحدة البلد وأمنها وسلامتها أولوية قصوى، في إشارة لقضية تقرير المصير. وأردف بيان الحزب أنه “لن يتسامح في أمر الدولة ودعاوى العلمانية والمدنية التي تستهدف الدين كمنهاج للأمة”.
وإلى جانب قضيتي العلمانية وتقرير المصير، شمل الجدل أيضاً أهداف الميثاق.
واعتبر نور الدائم طه، القيادي في حركة تحرير السودان بقيادة حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن الوثيقة “مرتبكة” وتحمل في جوفها تناقضات كثيرة، وهي “تطالب بالحريات وحقوق الإنسان، ثم تقترح إنشاء مفوضية لتقييدها”.
وذهب رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، وهو قيادي في “تحالف صمود”، إلى القول إنه من الخطأ تناول مشروع الحكومة الموازية بتسطيح أو لامبالاة وسخرية، مضيفاً أنه من “الخطأ الاستهانة بخطورة وجود حكومتين في بلدٍ ظل منذ استقلاله يعاني من أزمة في التكامل الوطني؛ بسبب غياب التوافق على مشروع وطني قادر على إدارة التنوع، وتحقيق التنمية المتوازنة، وضمان العدالة وصون الحريات والحقوق العامة والفردية، بدلاً من استخدام عَسْف الدولة ضد المطالبين بهذه الاستحقاقات من المجموعات والأفراد”.
وشدد الدقير “رغم موقفنا المعلن الرافض لفكرة تشكيل حكومة موازية، إلا أن التغافل عن حقيقة وجود قوى سياسية ومجتمعية تؤيدها هو دفن للرؤوس في الرمال”.
وأشار إلى أن “الواقع العملي سيفرض على المواطنين القاطنين في مناطق سيطرتها التعامل معها، مثلما يحدث مع أية حكومة أمر واقع، مما يرفع وتيرة المخاوف من أن دوران عجلة تقسيم السودان قد بدأ”.
وكان رئيس الجبهة الثورية وعضو مجلس السيادة السابق الهادي إدريس، كشف لـ”الشرق”، عن البدء في مشاورات تشكيل الحكومة، مشيراً إلى أنها ستعلن خلال الأيام القليلة القادمة من داخل السودان.
وحذر التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، من الاستهانة بتوقيع ميثاق تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” بالعاصمة الكينية نيروبي، مشيراً إلى أن الميثاق له تبعات على مسار الحرب والسلام.
وشدد “صمود” على ما وصفه بالواجب المقدم على ما سواه هو إيقاف الحرب باعتبار أن استمرارها يعني استمرار واشتداد وطأة الكارثة الإنسانية.
توتر دبلوماسي بين السودان وكينيا
وأثارت استضافة كينيا فعاليات توقيع الميثاق السياسي، حفيظة الحكومة السودانية. وقالت الخارجية السودانية إنها بصدد إجراءات تصعيدية ضد ما وصفته بالتدخلات الكينية في الشؤون الداخلية للبلاد.
وكشف وكيل وزارة الخارجية، حسين الأمين الفاضل، عن ترتيبات لحكومة بلاده، التي يديرها المجلس السيادي برئاسة عبد الفتاح البرهان، ضد كينيا، بسبب ما تعتبره، “تدخلاً في الشأن الداخلي السوداني”، واستضافة نشاط لـ “مليشيا الدعم السريع الإرهابية” وحلفائها، على حد تعبيره.
وأضاف خلال مؤتمر صحافي في بورتسودان، أن الإجراءات ستكون تصاعدية وتدريجية، باتخاذ خطوات اقتصادية تشمل حظر استيراد المنتجات الكينية، مشيراً إلى أن السودان من أكبر البلدان المستوردة للشاي من كينيا، لكنه لفت إلى أن هذه الخطوة تسبقها ترتيبات منها ترتيب وإيجاد البدائل.
ويرى مراقبون أن تشكيل حكومة موازية، وإن لم تحظ باعتراف إقليمي أو دولي، فإن دولاً ومنظمات عدة ستتعامل معها كسلطة أمر واقع في جزء من السودان.