اعتبر محللون وخبراء صينيون أن حرب الرسوم الجمركية التي تخوضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الصين، التي تعاني تباطؤاً في اقتصادها، نوعاً من “الضغوط التكتيكية للتفاوض بشأن إبرام اتفاق تجاري جديد” مع بكين، كما أشاروا إلى أن واشنطن ترغب في تعويض الخسائر الناجمة عن الإعفاءات الضريبية التي تعتزم إدارة ترمب فرضها في الولايات المتحدة.
ومن الواضح أن واشنطن ماضية في تشديد الضغوط على بكين، إذ أعلن ترمب، الخميس، تعريفات إضافية بنسبة 10% على الصين، بعدما أعلن سابقاً تعريفات أخرى بنفس النسبة.
وبرزت هذه الضغوط في مذكرة للبيت الأبيض تحت اسم “سياسة أميركا أولاً للاستثمار”، والتي حملت اتهامات لـ”خصوم أجانب” وخصت الصين بالتسمية، إذ زعمت أن بكين “تسعى للسيطرة على الشركات والأصول الأميركية، والحصول على أحدث التقنيات والملكية الفكرية والنفوذ في الصناعات الاستراتيجية، بطرق مباشرة وغير مباشرة، وفي المقابل تعمد إلى إغلاق الباب أمام استثمار الشركات الأميركية في الصين”.
كما اتهمت المذكرة، الصين، بـ”استغلال رأس المال الأميركي لتطوير وتحديث أجهزتها العسكرية والاستخباراتية”.
وهذه الاتهامات الأميركية، دفعت وزارة التجارة الصينية في 22 فبراير الجاري، إلى إدانة المذكرة الأميركية، معتبرة أنها “تسعى إلى الحد بشكل أكبر من الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، والاستثمار الأميركي في الصين”.
ورغم تعقيدات الملف التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم، توقع الرئيس الأميركي في 19 فبراير، أن يزور نظيره الصيني شي جين بينج واشنطن، ولكن حتى الآن لم يرد أي رد رسمي من الجانب الصيني.
ويرى المحللون الصينيون، أن بكين “تحاول إيجاد توازن دقيق بين الدفاع عن مصالحها السياسية والاقتصادية، والحفاظ على الحوار مع واشنطن”.
وتطرق هوانج جينج، أستاذ جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، خلال تصريحات لـ”الشرق”، إلى ما وصفه بـ”الاستقطاب الدولي الذي تمارسه الولايات المتحدة”، مشيراً إلى المحادثات الأميركية الروسية، والتقارير التي تعتبر أن تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو قد يؤدي إلى “ضرر في العلاقات الصينية الروسية”.
وفي هذا السياق، قال جينج لـ”الشرق”، إن “القضية الرئيسية لا تتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة ستجعل روسيا جزءاً من معسكرها لمواجهة الصين، وهو أمر ليس بالسهل، بل تتعلق بتقسيم الغرب بشكل أكبر، مع اتساع الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين”.
اتفاق تجاري جديد؟
جيا تشينج قوه، عضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني CPPCC، وهي أعلى هيئة استشارية سياسية في البلاد، قال في تصريحات لـ”الشرق”، إن “البعض يزعم أن المرحلة الأولى من اتفاقية التجارة بين بكين وواشنطن، والتي تم توقيعها خلال فترة ولاية ترمب الأولى، لم يتم تنفيذها بالكامل، لكن هذا ليس دليلاً على سوء النية من جانب الصين”.
واعتبر قوه، أن بلاده “أوفت بالتزامها الذي قطعته كجزء من المرحلة الأولى من اتفاق التجارة، وكانت القيود الأميركية على الصادرات التكنولوجية المتقدمة هي التي ساهمت في انخفاض الواردات الصينية من المنتجات الأميركية”.
وفي 21 فبراير، أُرسِلت إشارات رئيسية في أحدث التبادلات رفيعة المستوى بين الصين والولايات المتحدة، بعدما عقد كبار المسؤولين الاقتصاديين في البلدين أول محادثات بينهم عبر تقنية الفيديو، منذ تنصيب ترمب.
واتفق نائب رئيس مجلس الدولة الصيني هي ليفينج، الذي يعد أيضاً الشخص الرئيسي المسؤول عن إدارة الشؤون الاقتصادية والتجارية بين بلاده والولايات المتحدة، ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، على أهمية العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية.
وأعربت بكين عن مخاوفها الجدية بشأن التدابير التقيِّيدية الأخيرة التي اتخذتها واشنطن، بما في ذلك فرض التعريفات الجمركية الأميركية على الصين.
كوي فان، الأستاذ في كلية التجارة الدولية والاقتصاد بجامعة الأعمال والاقتصاد الدولي في بكين، قال لـ”الشرق”، إن بلاده “تعرف أن إدارة ترمب تخطط لاستخدام العائدات من الرسوم الجمركية لتعويض تريليونات الدولارات من التخفيضات الضريبية”.
وأضاف كوي، أن “أميركا تخطط لاستخدام الرسوم الجمركية كاستراتيجية طويلة الأجل لمعالجة التحديات الاقتصادية المحلية، ولا سيما الحد من التضخم المرتفع”.
ومع ذلك، اعتبر البروفيسور ياو يانج، مدير مركز الصين للأبحاث الاقتصادية في جامعة بكين، أن حرب الرسوم الجمركية “لن تؤدي إلا إلى جعل وعود حملة ترمب بمكافحة التضخم، أسوأ”، وأضاف في تصريحاته لـ”الشرق”، أن “مساعيه لاستخدام الرسوم الجمركية لدفع تكاليف التخفيضات الضريبية داخلياً، تواجه معارضة شديدة في الكونجرس، وبالتالي، فإن جمع أموال كافية من الرسوم الجمركية لإحداث تأثير على ميزانية الولايات المتحدة، سيكون مطلباً كبيراً، إذ لم تمثل سوى 2% من الإيرادات السنوية في السنوات الأخيرة”.
“ورقة مساومة”
وخلال استقباله رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض، الخميس، قال ترمب إن “الرسوم الجمركية ستجعل الولايات المتحدة بلداً غنياً”، مشدداً على أنها “ضرورية، لأننا تعرضنا لمعاملة غير عادلة للغاية من قبل العديد من الدول، بما في ذلك أصدقاؤنا وأعداؤنا، لقد تم التعامل معنا بشكل غير عادل”.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأميركية في فبراير، بلغ العجز التجاري للولايات المتحدة مع بقية العالم أعلى مستوى له في عام 2024. واستمرت المخاوف الأميركية بشأن العجز التجاري لمدة 8 سنوات، منذ حرب الرسوم الجمركية الأولى التي شنّها ترمب في عام 2017، في بداية ولايته الرئاسية الأولى.
وقال البروفيسور كوي، إن الصين “تعلم أن الولايات المتحدة تنوي استخدام التعريفات الجمركية كورقة مساومة لإبرام صفقات تجارية جديدة، وخاصة بعد أن أكد ترمب ذلك. لكن القضية الرئيسية هي كيف سيمضي قدماً في المفاوضات”.
وتوقع كوي، أن “تستخدم الولايات المتحدة مرة أخرى التعريفات الجمركية كتكتيك تفاوضي، بمجرد بدء المفاوضات الرسمية، ولكن الصين مستعدة جيداً لذلك”، على حد وصفه.
وعلى الرغم من التحديات الكبرى وعدم اليقين الناجم عن سياسة الولايات المتحدة ضد الصين، ارتفعت التجارة البينية بين البلدين بنسبة 3.7% في عام 2024.
ومع ذلك، أصبحت الصين أقل اعتماداً بشكل متزايد على التجارة الأميركية، وعززتها مع دول أخرى بهدف تخفيف صدمة الرسوم الجمركية الأميركية الإضافية.
ومن حيث التجارة مع الصين، تراجعت الولايات المتحدة إلى المركز الثالث في عام 2024، بعدما بلغت 688 مليار دولار، خلف رابطة دول جنوب شرق آسيا 982 مليار دولار، والاتحاد الأوروبي 786 مليار دولار. كما تمثل صادرات الصين إلى الولايات المتحدة 15% فقط من إجمالي صادراتها.
وزارة التجارة الصينية، أكدت بدورها، أنها “حافظت على التواصل مع السلطات الأميركية بشأن تقييم المرحلة الأولى من اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة، التي تم توقيعها في 2020″، ولكنها “ترفض التفاوض تحت أي ضغط”.
وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون جرير مؤخراً، إن “أداء الصين في المرحلة الأولى من اتفاقية التجارة، سيستخدم كنقطة انطلاق للعلاقات”.
وللحصول على المزيد من الاقتراحات لتعزيز التعاون بين الولايات المتحدة والصين وتحقيق مكاسب مبكرة، أجرى وزير الخارجية الصيني وانج يي، خلال مشاركته في اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك في 18 فبراير، مناقشات مع “أصدقاء” من مختلف القطاعات في الولايات المتحدة.
وحضر ممثلون من اللجنة الوطنية للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين، ومجلس الأعمال الأميركي الصيني، وغرفة التجارة الأميركية، هذه الاجتماعات.
“أميركا أولاً”
وتتهم مذكرة “أميركا أولاً” الصادرة عن البيت الأبيض، “بعض الخصوم الأجانب”، بمن فيهم الصين، بـ”توجيه وتسهيل الاستثمار في الشركات والأصول الأميركية، بشكل منهجي، للحصول على أحدث التقنيات والملكية الفكرية والنفوذ في الصناعات الاستراتيجية”. كما اعتبرت أن الصين “تسعى إلى تنفيذ هذه الاستراتيجيات بطرق متنوعة، سواء كانت ظاهرة أو خفية، وغالباً من خلال مؤسسات شريكة أو صناديق استثمارية في بلدان ثالثة”.
في المقابل، تتهم الوثيقة بكين، بأنها لا تسمح للشركات الأميركية بـ”الوصول إلى بنيتها التحتية الحيوية”، وبالتالي “لا ينبغي السماح للصين بالوصول إلى البنية التحتية الحيوية للولايات المتحدة”.
وتضيف المذكّرة، أن الشركات الصينية “تعمل على جمع رأس المال من خلال بيع الأوراق المالية التي يتم تداولها في البورصات العامة الأميركية والأجنبية للمستثمرين الأميركيين؛ وممارسة الضغوط لإدراج هذه الأوراق المالية في العروض السوقية؛ والمشاركة في أعمال أخرى لضمان الوصول إلى رأس المال الأميركي والفوائد”، زاعمة أنه “بهذه الطريقة، تستغل الصين المستثمرين الأميركيين لتمويل وتعزيز وتحديث جيشها”.