طوَّر باحثون تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي تسهم في تسريع التعرف على الجينات التي تلعب دوراً في اضطرابات النمو العصبي، مثل اضطراب طيف التوحد والصرع وتأخر النمو.
وتساعد هذه الأداة الحاسوبية الجديدة في رسم خريطة وراثية شاملة لهذه الاضطرابات، مما يسهم في تحقيق تشخيص دقيق وفهم آليات المرض، بالإضافة إلى تطوير علاجات تستهدف الأسباب الجينية بشكل أكثر فاعلية.
على الرغم من التقدم الكبير في اكتشاف الجينات المرتبطة باضطرابات النمو العصبي، فإن العديد من المرضى لا يحصلون على تشخيص وراثي واضح، مما يشير إلى وجود جينات أخرى لم يتم التعرف عليها بعد.
نهج مبتكر
اعتمد الباحثون في الدراسة المنشورة في المجلة الأميركية لعلم الوراثة البشرية (AJHG)، نهجاً مبتكراً يقوم على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحليل الأنماط الجينية المرتبطة باضطرابات النمو العصبي، بدلاً من الاقتصار على المقارنة المباشرة بين جينومات الأفراد المصابين وغير المصابين بهذه الاضطرابات.
ولجأ العلماء إلى دراسة الجينات التي تم تحديدها سابقاً على أنها مرتبطة بهذه الحالات، ثم استخدموا نماذج الذكاء الاصطناعي لاكتشاف القواسم المشتركة بينها، مثل أنماط التعبير الجيني ودرجة تحمل الطفرات والتفاعلات الجينية في المسارات البيولوجية المختلفة.
ومن خلال هذه المنهجية، تمكَّن الفريق من تطوير نماذج قادرة على التنبؤ بجينات أخرى قد تلعب دوراً في الأمراض نفسها، حتى وإن لم تكن قد تم التعرف عليها سابقاً من خلال الأساليب التقليدية.
وقد أثبتت هذه النماذج دقة كبيرة في تصنيف الجينات التي يُرجح أن تكون مسؤولة عن اضطراب طيف التوحد والصرع وتأخر النمو، حيث أظهرت أن الجينات التي تم التنبؤ بها تمتلك احتمالية عالية للتورط في هذه الاضطرابات مقارنة بالجينات الأخرى، ما يفتح المجال أمام اكتشافات جديدة يمكن أن تعزز دقة التشخيص، وتساهم في تطوير علاجات أكثر استهدافاً وفاعلية.
وقال المؤلف الرئيسي للدراسة “رايان ديندسا” أستاذ علم الأمراض والمناعة في كلية بايلور للطب إن الفريق درس أنماط التعبير الجيني على مستوى الخلية الواحدة في الدماغ البشري أثناء مراحل النمو.
وأظهرت النتائج أن النماذج التي تم تدريبها على هذه البيانات يمكنها التنبؤ بدقة عالية بالجينات المرتبطة باضطراب طيف التوحد وتأخر النمو والصرع. لكن الفريق لم يكتفِ بذلك، بل سعى إلى تحسين هذه النماذج عبر دمج أكثر من 300 خاصية بيولوجية إضافية.
نماذج ذكية بقوة تنبؤية عالية
لتحقيق دقة أعلى في التنبؤ بالجينات المرتبطة باضطرابات النمو العصبي، حسَّن الباحثون نماذج الذكاء الاصطناعي من خلال دمج أكثر من 300 خاصية بيولوجية إضافية، مما ساعد في تعزيز قدرة النماذج على التمييز بين الجينات ذات الصلة بهذه الاضطرابات، وتلك غير المرتبطة بها.
وشملت هذه الخصائص مدى تحمل الجينات للطفرات، أي مدى حساسيتها للتغيرات الجينية التي قد تؤدي إلى أمراض، بالإضافة إلى تحليل علاقتها التفاعلية مع الجينات الأخرى المعروفة بتسببها في اضطرابات عصبية، فضلاً عن أدوارها الوظيفية في المسارات البيولوجية المختلفة.
وبحسب الدراسة، أصبحت النماذج أكثر دقة في تصنيف الجينات ذات الخطورة العالية، حيث زادت احتمالية اكتشاف الجينات المرتبطة بالاضطرابات العصبية بشكل ملحوظ، مما يجعل هذه التقنية أداة قوية لدعم الدراسات الجينية المستقبلية وتحسين فرص التشخيص والعلاج.
وأكد ديندسا أن هذه النماذج تتمتع بقوة تنبؤية عالية، حيث أظهرت أن الجينات المصنفة في المراتب العليا تفوق معايير التحمل الجيني التقليدية بنسبة تصل إلى 6 أضعاف في بعض الحالات.
وأوضح أن بعض الجينات التي تم تحديدها من خلال هذه النماذج كانت أكثر احتمالاً للتوافق مع الدراسات السابقة بمعدل يتراوح بين 45 و500 ضعف مقارنة بالجينات الأقل تصنيفاً.
ويرى الباحثون أن هذه النماذج ستعمل كأدوات تحليلية تساعد في التحقق من الجينات التي تظهر في الدراسات الجينية، ولكنها لم تحصل بعد على دليل إحصائي كافٍ لإثبات علاقتها باضطرابات النمو العصبي.
ويأمل الفريق في أن تسهم هذه التقنية في تسريع عملية اكتشاف الجينات وتحقيق التشخيص المبكر للمرضى، على أن يتم تقييم فاعليتها بشكل أوسع في المستقبل.