أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة “جنوب كاليفورنيا” أن التعرض المستمر للحرارة المرتفعة قد يؤدي إلى تسارع الشيخوخة البيولوجية لدى كبار السن، مما يثير مخاوف جديدة بشأن تأثير تغير المناخ وموجات الحر على الصحة العامة والتقدم في العمر على المستوى الجزيئي.
وأشارت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق تشهد عدداً أكبر من الأيام ذات الحرارة المرتفعة يُظهرون معدلات شيخوخة بيولوجية أسرع مقارنة بسكان المناطق الأكثر اعتدالاً مناخياً.
وتُعتبر الشيخوخة البيولوجية مقياساً لقدرة الجسم على العمل على المستوى الجزيئي والخلوي والوظيفي، وتختلف عن العمر الزمني الذي يعتمد فقط على تاريخ الميلاد.
وتُظهر الأبحاث أن زيادة العمر البيولوجي عن العمر الزمني ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالأمراض والوفاة المبكرة.
وحلل الباحثون بيانات أكثر من 3600 شخص تتراوح أعمارهم بين 56 عاماً وما فوق، حيث تم جمع عينات دم من المشاركين على مدار 6 سنوات، مع فحص التغيرات اللاجينية، مثل عملية “مثيلة الحمض النووي” التي تؤثر على نشاط الجينات دون تغيير التسلسل الجيني نفسه.
وتُعد مثيلة الحمض النووي عملية كيميائية يتم فيها إضافة مجموعة ميثيل إلى جزيئات الحمض النووي، مما يؤثر على كيفية تعبير الجينات عن نفسها دون تغيير تسلسلها الأساسي.
كما تُعتبر هذه العملية جزءاً من التعديلات اللاجينية التي تتحكم في نشاط الجينات، وتلعب دوراً مهماً في الشيخوخة والأمراض المزمنة.
التعرض لدرجات حرارة مرتفعة بشكل مستمر
عند التعرض لدرجات حرارة مرتفعة بشكل مستمر، يواجه الجسم ضغطاً بيئياً يؤدي إلى استجابات فسيولوجية تشمل الإجهاد التأكسدي والالتهاب المزمن، وقد تُحدث هذه الضغوط تغييرات في أنماط مثيلة الحمض النووي، مما يؤثر على تنظيم الجينات المرتبطة بإصلاح الخلايا، والالتهابات، والاستجابة للحرارة.
وبمرور الوقت، قد تؤدي هذه التعديلات إلى تسارع الشيخوخة البيولوجية، حيث تصبح الخلايا أقل كفاءة في إصلاح نفسها وأكثر عُرضة للتلف.
وأشارت الدراسة إلى أن التغيرات اللاجينية الناجمة عن الحرارة قد تكون تراكمية، أي أنها لا تقتصر على التعرض الفوري للحرارة، بل قد تستمر على المدى الطويل، مما يفسر العلاقة بين العيش في بيئات حارة وزيادة العمر البيولوجي.
كما يمكن أن تؤثر هذه التغيرات على أنظمة الجسم المختلفة، مثل الجهاز القلبي الوعائي والجهاز المناعي، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالشيخوخة مثل أمراض القلب وألزهايمر.
الساعات اللاجينية
واستخدم الباحثون “الساعات اللاجينية” لتحليل أنماط المثيلة وتقدير العمر البيولوجي للمشاركين في كل فترة زمنية، ثم قارنوا هذه النتائج مع بيانات درجات الحرارة وعدد الأيام الحارة المُسجلة من قِبَل هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأميركية بين عامَي 2010 و2016.
ووجدت الدراسة علاقة واضحة بين ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة وزيادة في العمر البيولوجي للأفراد، حتى بعد ضبط العوامل الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى أنماط الحياة مثل النشاط البدني واستهلاك الكحول والتدخين.
وأظهرت البيانات أن المشاركين الذين يعيشون في مناطق تشهد حرارة شديدة (32 درجة مئوية فأكثر) لمدة نصف العام، مثل مدينة فينيكس بولاية أريزونا، كانوا أكثر عُرضة لزيادة عمرهم البيولوجي بمقدار يصل إلى 14 شهراً إضافياً مقارنة بأولئك الذين يعيشون في مناطق تقل فيها الأيام الحارة عن 10 أيام سنوياً.
كما أظهرت جميع أدوات قياس الشيخوخة الثلاث المستخدمة في الدراسة ارتباطاً بين التعرُّض لدرجات حرارة مرتفعة وتسارع الشيخوخة البيولوجية.
وأشارت نتائج إحدى الأدوات إلى أن التأثير يمكن أن يحدث بسرعة خلال فترات قصيرة تصل إلى 7 أيام، مما يدل على أن التغيرات اللاجينية الناجمة عن الحرارة قد تتراكم بمرور الوقت.
ولفتت الدراسة إلى أن كبار السن هم الأكثر عُرضة للتأثر بالحرارة الشديدة، حيث إن قدراتهم على التعرُّق والتبريد الطبيعي للجسم تتراجع مع التقدم في العمر، خاصة في البيئات ذات الرطوبة العالية.
وبحسب الباحثين، لا ينبغي النظر فقط إلى درجات الحرارة، ولكن أيضاً إلى معدل الرطوبة، لأن ذلك يؤثر على قدرة الجسم على التبريد، حيث إن في الأماكن ذات الرطوبة العالية، تقل فاعلية التعرُّق، ما يزيد من خطر الإصابة بالإجهاد الحراري لدى كبار السن.
وذكرت الدراسة أنه يجب دفع صناع القرار إلى التفكير في حلول للحد من تأثير الحرارة، مثل تعزيز المساحات الخضراء وزيادة عدد الأشجار، وتصميم المدن بطرق توفر الظل وتقليل امتصاص الحرارة، خاصة في المناطق التي تشهد ارتفاعاً مستمراً في درجات الحرارة.